|
محكمة
الجنايات برئاسة المستشار عبد العزيز بنشقرون في القضية التي يطلق
عليها قضية بليرج،والتي اصدر فيها حكمه فجرا خلال شهر يوليوزالماضي،وأدان
فيه المعتقلين السياسيين ادانة قتلت ما تبقى من مصداقية القضاء،يتحمل
فيه شخصيا مسؤولية التوقيع على حكم باطل،لم يصدره باسم "جلالة الملك
طبقا للفصل 370 من قانون المسطرة الجنائية"،وهو الحكم الذي سلمت منه
المحكمة رسميا لكل المحامين وهم العشرات،نسخة مشهود على مطابقتها
للأصل.
المطابقة
للأصل تعني في اللغة وفي الاصطلاح أن هذا الأصل كان كالنسخة المنسوخة
منه،والمسلمة للمحامين،مخالفا للنظام العام،لأنه غير مستهل بالصيغة
القانونية الرسمية.
فمن تدارك
الأمروقام بالتصحيح ليتستر عن الفضيحة،وينقذ من أصدره ووقع عليه من
تبعات حكم قضائي باطل،وذلك بعد أن لم يعد ممكنا القيام بأي تصحيح لفوات
أوانه؟
ان من صحح
أو من صححوا الحكم،وأضاف اليه ما كان ناقصا بعد فوات الأوان،لن يكون
الا المسؤول عن توقيعه بالطبع،أي رئيس الهيأة،لأنه ليس هناك جهة أخرى
يمكنها أن تتلاعب بالقرار بهذا الشكل،مع العلم أنه لا يحق لأي احد بعد
النطق به وبعد التوقيع عليه كما هو أن يعدل حرفا منه أو يضيف أية كلمة
اليه ولو كانت مجرد فاصلة،حتى ولو كان رئيسا أوزيرا أو قمة سلطة.
أما كاتب
الضبط مهما كانت صفته فلم يقم الا بواجبه حين قام بتسليم قرار المحكمة
للمحامين يشبه ويوافق اصله الذي لم يكن سوى القرار الباطل،وأنه ليس
بمسؤول عن طريقة اصداره وكتابته وأخطائه،حتى يكون مجبرا أو مطالبا
بتصحيحه واضافة كلمة فيه.
السيد
بنشقرون،اذن،ارتكب مخالفة مهنية لا تغتفر،واستهتر بوظيفته،وأخل
بواجباته،ولم يراجع حكمه،واثبت هو بخط يده أنه غيرأهل للمهمة القضائية
التي تحملها حين اغفل نقطة جوهرية في القرار يترتب عن عدم ذكرها بطلان
الحكم.
نعم،كل
انسان معرض للخطأ
ولو
كان قاضيا أو نبيا،لكن اصلاح الأخطاء له قواعده،لو احترمت لكان الأمر
هينا،لكن ليس بالتحريف أو بالتزوير تصلح الأخطاء،ولو كانت بسيطة أو غير
عمدية.
بهذا الحكم
الباطل زج بالمعتقلين السياسيين،كما زج بمجموع المتابعين،وعددهم خمسة
وثلاثون معتقلا،بما تبقى من عمرهم في زنازن سجن المندوب العام بنهاشم
حفيظ،القاتلة بكل الأمراض،كأنهم لاشئ،أي لايستحقون ممن حكم عليهم حتى
أن يحترم في حكمه شكلياته الأساسية.
انه من حق
كل المعتقلين،ومن واجب كل المحامين،كما أنه من حق الرأي العام،أن
يطرحوا أسئلة حقيقية أمام هذه المهزلة التي فجرها السيد بنشقرون في وجه
القضاء وفي وجه المغرب،في لحظة توجه للقضاء،وللقضاء الجنائي
خاصة،اتهامات بعدم احترامه لضمانات المحاكمة العادلة،واتهامات بتبييض
الاختطاف والتعذيب والتزوير التي ترتكب من قبل الشرطة وعدم التشدد في
مراقبة ومساألة مرتكبيها،واتهامات بالخلط ما بين اختصاصه القضائي
المستقل ومنطق الدولة وسياستها الأمنية.
والسؤال
الكبير والملح الآن هو من سيحاسب السيد بنشقرون عن المصيبة التي تسبب
فيها،ومن هي الجهة التي ستكلف بالتحقيق معه فيما ارتكبه؟
فهل يعقل أن
يحاكم المعتقلون السياسيون بتهم ملفقة؟ ويقبل في الوقت نفسه بعدم
مساألة المسؤول القضائي نهائيا أو محاسبته عن حكم باطل؟
والسؤال
الثاني المهم كذلك هو معرفة طبيعة المحاكمة كلها التي قادها السيد
بنشقرون،بل معرفة قيمة القرارات الصادرة عنه في الطلبات التي قدمها
المحامون والطعون المسطرية التي اثاروها أمامه خلال أطوار المحاكمة،قبل
أن يصدر الحكم النهائي الباطل؟
أعتقد أنه
ليس من حق أي أحد،مسؤولا أو غير مسؤول،أن يبسط الموضوع أو يقلل من
خطورة حكم صدرباسم السيد عبد العزيز بنشقرون وليس باسم الملك،كما حاول
ذلك ممثل الحق العام بجلسة الأربعاء الماضي،وليس من حق أي أحد أن يضفي
المشروعية على قرار باطل،لأنه بذلك سيساوي ما بين الحكم الصادر باسم
السلطة الدستورية،وما بين الحكم الصادر باسم موظف.
انه من واجب
الجميع،ممن تعنيه مصداقية القضاء،ويعنيه الأمن القضائي للمواطنين،وممن
يترقب اصلاحا حقيقيا للقضاء،وممن تهمه عدالة المغرب،وفي مقدمتهم
ومرحليا قضاة محكمة الاستئناف الجنائية بسلا،من واجبهم أن يلغوا القرار
الباطل الغاء نهائيا لكي لا يبقى له أثر في رفوف المحكمة أو وجود ضمن
أرشيفها،وأن يبتعدوا بأنفسهم أمام هذه الميوعة المهنية،عن كل شبهة،أو
كل احتمال يقول ان همهم فقط هو الدفاع عن مرتكبها بأي ثمن،أو ايجاد"تخريجة
للمعضلة على حساب القانون".
أما بالنسبة
للمعتقلين السياسيين،فان التزوير طال محاكمتهم منذ خطواتها
الأولية،لأنه لحق محاضر البحث البوليسي،ومحاضر التفتيش،ومحاضر الحجز
الذي جرى في بيوتهم دون اذنهم أو موافقتهم،ومساطر حجز الأسلحة،بل حتى
محاضر قاضي التحقيق،علما بأن باقي المعتقلين مباشرة أو على لسان
دفاعهم،أظهروا هم كذلك محطات التحريف الذي شهدتها ملفاتهم في القضية.
ان التزوير
أو الأخطاء لا تقبل ولا تغتفر حتى في لعب القمار،فما بالكم بالأحكام
القضائية،وحكم السيد بنشقرون،المشوب بالتحريف،سيظل باطلا في سجل
التاريخ،والتاريخ لن يغفر له حتى ولو غفرت له ملائكته،مثلما لم يغفر
لغيره ممن أصدر أحكام الظلم في عهد الرصاص المظلم،وسيظل قرارا باطلا
مزورا ما دامت الوثائق تثبت ذلك،حتى ولو اعتبره قضاة الاستيناف صحيحا
بتأويلهم،لأن الاجتهاد والتأويل لا يقلب الباطل حقا،ولايضفي المشروعية
على الأحكام غير المشروعة. |