|
تقديم:
عجيب أمر هذا الرجل الشريف"المصطفى المعتصم"المظلوم في بلاده والذي
يؤدي اليوم
ضريبة الانتماء إلى مدرسة الشرفاء في هذا الوطن ..البعض من أصدقائه في
الجامعة خلال المرحلة الطلابية كان يحلو لهم أن يطلقوا عليه لقب "
الثقافة " إشارة إلى موسوعيته الكبيرة ،وإلمامه الغزيربموضوعات شتى
بفعل الإدمان على القراءة وبفعل ذكاء خاص عرف به في ملامسة الأشياء
واستقرائها.كان المعتصم يبهرنا وهو يتحدث عن تصوره لمعنى تمثل الإسلام
اليوم ،ويبهرنا وهو يقرأ الواقع السياسي المغربي ثم يبهرنا وهو يحلل
مقابلة في كرة القدم ، بعشقه الرجاوي الذي لم يكن يخفيه ، كان
يبهرنا أيضا وهو يتحدث عن هذا النوع من ال"parfu"
أوذاك بمعرفة دقيقة..
وفي سياق
هذه الموسوعية الفريدة كان المعتصم معنا في مدرسة البديل الحضاري منذ
انبثاقها الأول الأكثر انتباها إلى أهمية الموضوع البيئي وخطورته في
المدى المتوسط وقد صاغ هواجسه بهذا الصدد بعمق في وثيقة " البيان
الحضاري" ،لهذا فالمقالة التي بين أيدينا تعكس عمق الرؤية البيئية عند
الرجل ، وهو عمق يفسره تكوينه الأكاديمي بهذا الخصوص والذي كان
بالإمكان أن يعطي فيه الكثير والكثير لو وجد شيئا من الوقت الذي أخذه
منه الاهتمام السياسي في شقه الميداني على وجه الخصوص .
د مصطفى المسعودي
ـــــــــــــــــــ
المغرب...والتحولات المناخية
2/1
لك أيها الفلاح البرازيلي البسيط،
أنت الذي وقفت وحيدا تواجه أعداء غابة الأمازون، رئة العالم، قدمت
حياتك لكي تستمر البشرية في استنشاق الأوكسجين،إلى أخي في
الإنسانية، إلى تشيكو مانديس أهدي هذا المقال
مدخل:
اجتمع العالم في كوبنهاغن لتدارس التقلبات المناخية وسبل معالجة
أسبابها.
مؤتمر كوبنهاغن أثار صخبا كبيرا قبل انعقاده،وصخبا أكبر أثناء
انعقاده،وتمخض الجبل فولد فأرا إذ لم يستطع المؤتمرون أن يتوصلوا إلى
اتفاق بينهم لتقليص انبعاث الغازات المسببة في الاحتباس الحراري
وبالتالي في التحولات المناخية !!.
تعددت أسباب الفشل لكن النتيجة واحدة:تأجل الوصول الى اتفاق حقيقي في
كوبنهاغن.
لكن هل يعيش العالم على إيقاع تحولات مناخية:
changements climatiques،
أم نحن فقط ازاء تذبذبات مناخيةfluctuations
climatiques
عرفت البشرية مثلها في الماضي كما يشهد على ذلك
تاريخ المجاعات والهجرات الجماعية؟
ثم اذا كنا أمام تحولات مناخية فهل مرد هذه الظاهرة الى انبعاث الغازات
التي تتسبب في الاحتباس الحراري مما يؤدي الى ارتفاع درجة الحرارة على
الأرض فتذوب الثلوج القطبية وترتفع مستويات البحار الخ...؟.
1-نعم...هناك تحولات مناخية..طبيعية
بالأساس !
ميزة الأرض أنها عاشت منذ أن خلقها الله سبحانه وتعالى على ايقاع
تحولات مناخية مستمرة.تحولات بطيئة عادة لكنها قد تتسارع وثيرتها في
بعض الأحيان.هذه التحولات التي تأرجحت بين ارتفاع درجة الحرارة الى
مستويات لا تطاق ولمدد طويلة وانخفاض هذه الحرارة الى مستويات دنيا لا
تحتمل.كما تميزت أحيانا بطغيان شامل للبحرtransgression
generalisee
فوق القارات أو بتراجعها الكبير.regression
وبسبب
هذه التحولات انقرضت العديد من الكائنات الحية النباتية والحيوانية
وظهرت أخرى كما تدل على ذلك علوم الحفريات.
هذه التحولات المناخية التي عرفها العالم على امتداد أربعة ملايير سنة
ويزيد،من أسبابها حركية الأرض داخل المنظومة الشمسية وحول الشمس،وحركية
الصفائح التكتونيةplaques
tectoniques
التي تكون القشرة الأرضية.حركية هذه الصفائح أدت الى تجزئ الكتلة
القارية الوحيدة:البانجياpangea
،الى مجموعات قارات كما نعرفها اليوم وأدت الى تقسيم المحيط الوحيد
العملاق:التيتيسthetys
الذي كان يحيط بالبانجيا الى عدد من المحيطات والبحار كما نعرفها
اليوم.خلال هذه الرحلة الطويلة للصفائح تراجعت القارية "continentalite"
وأدت الاصطدامات بينها الى تكون الجبال وابتعاد بعضها عن البعض الى
ميلاد المحيطات...
ان هذه الدينامية الصفائحية أدت باستمرار الى تأرجح محور الأرض كما شهد
العالم تغير في اتجاه المغناطيسية الأرضية بين الفينة والأخرى.
هذه بعض الأسباب التي أدت الى تغير المناخ أذكرها هنا على سبيل المثال
لا الحصر.
لن يستغرقنا الحديث عن التحولات المناخية التي عرفتها الأرض محليا أو
بشكل شامل خلال ما قبل الكمبري والأزمنة الجيولوجية:الأول والثاني
والثالث.لكن سوف أركز بالأساس على التحولات المناخية خلال الزمن
الجيولوجي الرابع
Ere quaternaire.
في البداية أحب أن أنوه الى أن الحديث الذي يدور في بلادنا حول
التحولات المناخية واسبابها الذي يرجعه البعض الى دور الغازات المسببة
للاحتباس الحراري،حديث يفتقد وللأسف الشديد للكثير من الدقة والعلمية
وأقول أن نقاش أهل الحل والعقد حول هذه الظاهرة المستعصية سياسعد على
الوصول الى فهم صحيح لها وسيساعد أصحاب القرار ببلادنا على التعامل
الصحيح مع تداعياتها.
وحينما أقول أهل الحل والعقد فلا أحصرهم فقط في المختصين في البيئة أو
الأرصاد الجوية بل أضيف اليهم الجيولوجيين،خصوصا المتخصصين في الزمن
الجيولوجي الثالث والرابع وعلماء البيئات القديمة paleoenvironnement
وعلماء الحفريات
paleontologues
وعلماء التربة
pedologues
والمختصين في علوم ما قبل التاريخ والجيومورفولوجيون والأنتروبولوجيون.
يكاد يجمع الدارسون للزمن الجيولوجي الرابع الذي تتزامن بدايته مع ظهور
الانسان على وجه الأرض منذ اربعة ملايين سنة،أنه زمن التحولات المناخية
بامتياز.زمن تتابعت فيه الفترات الجليدية والبيجليدية في اوروبا غير
المتوسطية والفترات المطرية والبيمطرية في المناطق المتوسطية بما فيها
شمال افريقيا والشرق الأوسط.
هكذا يتحدث بونيفاي
(1975) E.bonifay
عن أربعة دورات مناخية
في شمال وغرب أوربا خلال المليوني سنة الأخيرة.وهي دورات جليدية/بيجليدية
(Interglaciaire/glaciaire)
أو دورات جليدية/استوائية بحرية(glacio-eustatique).
*الدورة الأولى:
-الفترة الجليدية غونتزglaciation
de guntz(بين
ملوني سنة ومليون و100 ألف سنة قبل الميلاد.)
-الفترة البيجليدية غونتز-مانديلInterglaciaire
guntz-mindel(بين
مليون و100 ألف سنة و900 ألف سنة ق.م.)
*الدورة الثانية:
-الفترة الجليدية مانديلG.de
mindel(بين900
ألف سنة و500 ألف سنة ق.م.)
الفترة البيجليدية مانديل-ريسI.G.mindel-Riss(بين
500 ألف سنة و350 ألف سنة ق.م.)
*الدورة الثالثة:
-الفترة الجليدية ريس
G.de Riss
وتنقسم الى ريس1و2و3(بين 350 ألف سنة و170 ألف سنة ق.م.)
-الفترة البيجليدية ريس-فورم
)Riss-wurm
بين 170ألف سنة و90 ألف سنة ق.م.(
*الدورة الرابعة:
-الفترة الجليدية فورم
G.Wurmوتنقسم
الى فورم1و2و3(بين 90 ألف سنة و10 آلاف سنة ق.م.)
-الفترة البيجليدية "ما بعد فورم" "
Postwurm
منذ 10 آلاف سنة قبل الميلاد الى اليوم.
خلال الفترة الجليدية تنخفض درجة الحرارة ويزداد سمك الثلوج في
المجمدات القطبية التي تتوسع في اتجاه الجنوب بالنسبة للقطب الشمالي
وباتجاه الشمال بالنسبة للقطب الجنوبي.كما ينخفض مستوى البحر.أما
المناطق الصحراوية فإنها تتقلص وتتراجع باستمرار حتى تكاد تنحصر في
شريط ضيق محاذ للمناطق الاستوائية.أما خلال الفترة البيجليدية فترتفع
درجة الحرارة وتذوب الثلوج ويتقلص سمكها في القطبين كما تتراجع
القلنسوة الجليدية القطبية الى أقصى الحدود.في حين تتوسع الصحراء في
اتجاه الشمال بالنسبة للنصف الشمالي حتى تحاذي شواطئ البحر الأبيض
المتوسط،وفي اتجاه الجنوب بالنسبة للنصف الجنوبي للكرة الأرضية تماما
كما هو حاصل اليوم.
السؤال الذي يجب أن يشغل بال العالم وخصوصا الدول التي تعيش واقع
القحالة ((ariditeالمتميزة
بنذرة التساقطات المطرية وعدم انتظامها وارتفاع درجة الحرارة وزحف
الصحراء الخ...أقول:السؤال الذي يجب أن يطرح هو:هل وصلت الفترة التي
نعيشها في دول الجنوب والمغرب من بينها الى ذروتها أم إن 10 آلاف الى
12 ألف سنة لما بعد فورم ما هي الا بداية لمرحلة قد تطول لآلاف السنين
الأخرى كما تقول بعض التوقعات التي ترى ايضا أن نذرة المياه ستكون اساس
الصراعات المستقبلية كما ستتسبب بهجرات جماعية مكثفة للسكان في اتجاه
الشمال؟.!
إن طرح مثل هذا السؤال لا تكون الغاية منه الاجابة،فعلمها عند ربي في
كتاب،بقدر ما يكون الهدف منه تحفيز اصحاب القرار ببلادنا على الاشتغال
ضمن اكثر السيناريوهات قتامة لوضع الاستراتيجيات المناسبة ليس في منع
التحولات المناخية فهذا شئ لا نقدر عليه ولكن في معالجة الآثار
المترتبة عنها وبالأخص توفير الماء الذي قال عنه الله سبحانه
وتعالى:"وجعلنا من الماء كل شئ حي".
2-التلوث..والاحتباس الحراري عوامل
اضافية.
نعم التحولات المناخية ظاهرة طبيعية بدأت وثيرتها تتسارع في اتجاه
المزيد من البيجليدية/البيمطرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بفعل
التلوث والانبعاث الكثيف للغازات المسببة للاحتباس الحراري وعلى رأسها
غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي تقذفه المصانع وعوادم السيارات في الجو.
إن العدوان الذي يطال الغابات والمتمثل في تقطيعها أو تحويلها الى
مراعي أو أراضي فلاحية(الاستوائية والمدارية)أو قتلها بالأمطار الحمضيةpluies
acides
(أوربا أو شمال أمريكا)،أو التلوث الكبير الذي طال البحار وأدى إلى
تراجع ملموس للعوالق اليخضوريةphytoplanctonسيؤديان
الى تقليص قدرة النباتات اليخضورية على امتصاص ثاني اوكسيد الكاربون
co2
وطرح الأوكسيجين
o2مما
سينتج عنه خلل كبير في التوازن الايكولوجي بسبب ارتفاع تركيز ثاني
أوكسيد الكاربون في الجو ويتسبب في ظاهرة الاحتباس الحراري أي في
المزيد من ارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان الثلوج القطبية وارتفاع
مستوى البحار بما يهدد البلاد المنخفضة (بنغلاديش نموذجا...).
أي إن العالم يوجد اليوم أمام حاصل تراكم عوامل بيئية طبيعية وعوامل
أنتروبيكيةAnthropiques
Facteurs
أي مرتبطة بالنشاط الانساني. |