علمت "الحياة" أن مصطفى المعتصم، الأمين العام لحزب
"البديل الحضاري"، المنحل، والمعتقل في إطار قضية بلعيرج،
كان قد عرض على أحمد رامي، ضابط بسلاح المدرعات بالجيش
المغربي خلال المحاولة الانقلابية التي قادها الجنرال
أوفقير، والوحيد من الانقلابيين الذي أفلت، (عرض عليه)،
خلال لقاء جمع بينهما قبل سنتين، الدخول إلى المغرب
والانضمام إلى حزب "البديل الحضاري"، وحاول أن يقنعه بأن
البلاد بدأت تعيش وضعا سياسيا جديدا مع مجيء الملك محمد
السادس. اتصلت "الحياة" بأحمد رامي، المقيم بالسويد،
لتتأكد من ذلك، فكان هذا الاستجواب الذي قال فيه إن
المعتصم كان متطرفا في تفاؤله، وأن ما حدث له يؤكد على أنه
كان على خطأ. ويكشف رامي، في هذا الاستجواب، أنه التقى
أيضا بقياديين إسلاميين من حزب العدالة والتنمية وجماعة
العدل والإحسان. كما يكشف أسرارا جرت خلال لقاءات له مع
عبد الرحمان اليوسفي قبيل تعيينه وزيرا أول، قبل عشر
سنوات.
المعتصم عرض علي الانضمام إلى "البديل الحضاري"
Ë
هل فعلا سبق أن التقيت مع مصطفى المعتصم، الأمين العام
لحزب البديل الحضاري المعتقل حاليا، في إطار قضية بلعيرج؟
Ë
نعم هذا صحيح. وقد حدث ذلك سنة 2006، إذ إلتقيته في
العاصمة الإيرانية طهران على هامش أحد المؤتمرات الإسلامية
لنصرة المقاومة الفلسطينية. ولم ألتقيه
لوحده، بل التقيت كذلك هناك بمصطفى الرميد وفتح الله
أرسلان وخالد السفياني وأعضاء من حزب الاستقلال، كانوا
مشاركين في المؤتمر.
Ë
وهل صحيح أن المعتصم اقترح عليك الدخول إلى المغرب؟
Ë
أجل، بل أكثر من ذلك اقترح علي الانضمام إلى حزب البديل
الحضاري. وقال لي إن هناك إمكانيات للعمل السياسي
الديمقراطي في ظل حكم محمد السادس.
Ë
وكيف كان ردك؟
Ë
لم أكن متفائلا، مثلما كان عليه المعتصم. وقلت له إن
النظام ليس صادقا في نواياه، وأنه يناور فقط لتدجين وشراء
الناس والمعارضة. كما قلت له إن بداية عهد محمد السادس
تشبه بداية عهد الحسن الثاني، حيث يريد فقط إرساء قواعد
حكمه وإظهار تعلق شكلي بالديمقراطية. فالحسن الثاني كان
بدوره، في البداية، يبدي ظاهريا إعجابه بالديمقراطية
الإنجليزية. لكنه في ما بعد قام بإرساء أشنع ديكتاتورية في
العالم العربي والإسلامي. ولذلك لم أكن متفائلا حين ناقشته
في العرض الذي قدمه إلي.
Ë
وماذا كان رد المعتصم؟
Ë
كان متفائلا جدا بخصوص العمل السياسي بالمغرب، ويعتقد أن
هناك إمكانية لإرساء الديمقراطية في عهد محمد السادس. وقال
لي إن هناك إرادة لدى الملك من أتجل التغيير وأنه شرع في
ذلك عبر عدة واجهات، وأن عهد مطاردة وقمع وتعذيب المعارضين
قد انتهى.
Ë
ألم يحاول معك مرة أخرى من أجل إقناعك؟
Ë
عند عودته إلى المغرب استمر في مراسلتي، وكان يركز جدا على
أهمية العمل الديمقراطي الآن وضرورة نبذ استعمال العنف
والعمل السري. وأبدى إعجابه بمحتوى الرسالة التي وجهتها
إلى محمد السادس، وقال لي إنها تتضمن أفكارا جيدة ويمكن أن
تشكل منطلقا فكريا للعمل الديمقراطي في المغرب. لكني كنت
أرد عليه بان كل ذلك مجرد حلم وأن النظام المخزني لم يتغير
ولن يتغير بمحض إرادته، لأن أي تغيير لا يمكن أن يتم بدون
مجتمع مدني قوي ومقاومة مدنية سياسية متينة وناضجة، حتى
وإن اقتضى الأمر اللجوء إلى عصيان مدني ولكن بدون عنف.
Ë
وما هي الضمانات التي كان يقدمها لك من أجل الدخول إلى
المغرب والانضمام إلى حزبه؟
Ë
قال لي إن الرأي العام ومناضلي الحزب مستعدون للدفاع علي.
وكان هذا دليلا على "تطرفه" في التفاؤل والثقة في النظام،
وأنا أيضا كنت مثله في بداية عهد الحسن الثاني عندما كنت
عضوا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولكن بعدما اعتقلت
وعذبت، خلال انتفاضة الدار البيضاء لعام 1965، قررت أن
أدخل إلى الجيش، قائلا لنفسي، إذا كنت لا أستطيع مواجهة
الدبابة في الشارع فإنني أستطيع أن أقودها.
Ë
وكيف تلقيت خبر اعتقاله؟
Ë
استغربت كثيرا لما تعرض له الأخ مصطفى المعتصم من اعتقال
وإهانة وبنفس أساليب العهد السابق، وتأكدت بأنني كنت على
صواب، وأن النظام المخزني المغربي لم يتغير. وأنا متأكد
بأن كافة الاتهامات التي وجهت للمعتصم مفبركة، وهي نفسها
التي كانت توجه وتلفق للمعارضة في عهد الحسن الثاني. وتأكد
الانتقاد الذي وجهته للأخ المعتصم، حيث كان متفائلا، بشكل
مبالغ فيه، في اعتقاده بأن التغيير – في مواجهة نظام غير
ديمقراطي – لا يمكن أن يتم إلا بوسائل الديمقراطية.
Ë
قلت إنك التقيت مع قياديين من العدالة والتنمية والعدل
والإحسان، كيف كان اللقاء معهم؟
Ë
كان اللقاء وديا.
Ë
ألم تتلق دعوة من طرفهم للدخول إلى المغرب؟
Ë
لا
Ë
ألم تتلق عروضا من جهات رسمية؟
Ë
أتذكر أيضا أنه، وفي كواليس نفس المؤتمر، كان هناك
دبلوماسيون من سفارة المغرب في طهران حاضرون، وأمام الوفود
المغربية، قدموا أنفسهم إلي وسلموا علي بحرارة، وعرضوا علي
أيضا – باسم "صاحب الجلالة"- الدخول فورا إلى المغرب
"العهد الجديد". وكان جوابي لهم: "أتقصدون الدخول إلى
السجن الجديد؟" وكانت هناك اتصالات في أواخر التسعينيات
قبل وفاة الحسن الثاني، حيث بعث الملك الراحل وفدا، كان
على رأسه جنرال بالديوان العسكري للحسن الثاني. واقترح علي
الدخول إلى المغرب وتولي أي منصب أطلبه وقال لي بالحرف
الواحد: "بغيناك تدخل تخدم مع سيدنا" ... وأن هناك تغييرات
ستحصل بالمغرب...
Ë
وماذا كان ردك؟
Ë
لم أثق فيهم، وأجبتهم صراحة بأنه ليست هناك ضمانات لما
يقولونه. فكن جوابهم أن هناك إمكانية لتعييني سفيرا إذا
كنت مترددا في الدخول إلى المغرب. لم يكونوا صادقين في
نواياهم، وكنت متيقنا ومشمئزا من هذه الأساليب الشيطانية
التي استعملت مع الكثيرين، وبعد موت الحسن الثاني، بعث إلى
بوفد من المقربين لمحمد السادس، وكان من ضمنهم مستشار مقرب
له، وعرضوا علي الدخول إلى المغرب، وناقشوا معي حتى تفاصيل
العودة بما فيها استقبالي من طرف الملك و "طقوس" السلام
عليه. وكان جوابي الرفض أيضا. واعتبرت العرض الذي قدموه
إلى إهانة لي.
Ë
ألم يتم الاتصال بك من قبل أعضاء "السلفية الجهادية"؟
Ë
لا أبدا. كانت لي اتصالات مع عبد الكريم مطيع فقط وكان قد
عرض علي أيضا الانضمام إلى "الشبيبة الإسلامية" ، لكنني
رفضت، فانا إسلامي مستقل، و أدعوا إلى الوحدة بين كافة
الحركات الإسلامية أو على الأقل إلى تكوين جبهة إسلامية
عريضة.
كان المعتصم متطرفا في التفاؤل والثقة في النظام.... كان
يعتقد حقيقة أن النظام تغير فعلا وأصبح "ديمقراطيا".. وأنا
لو كنت مكان محمد السادس لأطلقت سراحه فورا
Ë
ألم تلتق بإدريس البصري بعدما غادرت المغرب؟
Ë
لم ألتق به أبدا، لكن التقيت بعبد الرحمان اليوسفي قبل
تعيينه، وزيرا أول، حيث زارني في السويد وأقام بمنزلي
ثلاثة أيام، وكان قد اتصل بي من فرنسا عبر الهاتف قبل
مجيئه وأخبرني بأنه يريد أن يزورني، ورحبت به، والتقيت به
مرة أخرى في السويد، لكنه نزل بالفندق، وسبق لي قبل ذلك أن
زرته في بيته بمدينة "كان" بفرنسا في أوائل التسعينات، حيث
استقبلني بمنزله صحبة زوجته.
Ë
وكيف كان اللقاء معه؟
Ë
كان اللقاء وديا جدا، فأنا أعرف عبد الرحمان اليوسفي
والفقيه البصري منذ سنتين، لدي شعور بأن بعض السياسيين
المغاربة، وليس اليوسفي وحده، يظنون أنه ما زالت لدي
علاقات داخل الجيش المغربي وأنني ما زلت أمثل قوة معينة
داخل الجيش، وبالتالي يريدون التقرب منها.
Ë
وهل صحيح أنه ما زالت لك علاقات داخل الجيش؟
Ë
يمكن القول إن الأفكار التي أعبر عنها يتقاطع معي فيها
مجموعة من أفراد الجيش والرأي العام المغربي عامة، وهي نفس
الأفكار التي تدافع عنها الصحافة المستقلة وبعض التنظيمات
السياسية.
Ë
علاقتك باليوسفي قديمة إذن؟
Ë
علاقتي باليوسفي تعود إلى أواسط السبعينات بعد خروجي من
المغرب، كما كنت ألتفي كذلك الراحل الفقيه البصري وعدد من
مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كنت أقول لليوسفي:
إن المغرب مريض بسرطان المخزن الذي يخاف من الحرية ومن
التداول السلمي للسلطة، لأنه مقتنع بأن تطبيق الديمقراطية
السليمة سيكون معناه سقوط نظامه ومحاكمة أركانه على
جرائمهم، وخلال نقاشاتي مع اليوسفي، قبل تعيينه وزيرا أول،
فهمت منه أنه إذا استطاع الجيش القيام بعمل ما، فإن جميع
المغاربة سيكونون متفقين معه وسينضمون إليه تلقائيا.
Ë
ولكن كيف يمكن أن يفكر وهو كان يستعد للدخول إلى الحكومة؟
Ë
لم يقل ذلك مباشرة، فخلال النقاش بيننا، قال لي: "وتفضلوا
أسيدي عملوا شي حاجة". وقال ما معناه، أنه "إذا حضر الماء
غاب التيمم"، أي أنه يعتبر كل العمل السياسي "الديمقراطي"
الذي يقوم به عبارة عن تيمم في انتظار "حضور" التغيير
الحقيقي، أما عن المخزن، فمهما حاولنا إصلاحه فإن الطبع
يغلب دائما على التطبع.
Ë
ألم يقترح عليك اليوسفي العودة إلى المغرب؟
Ë
لم يقترح علي ذلك خلال لقاءاتي به، ولكن كنا نناقش في
قضايا المغرب، وفي لقاء به بالسويد، قال: "إن الحسن الثاني
يناور وأنا أيضا سأناور"، لقد كان اليوسفي أكثر "واقعية"
من مصطفى المعتصم.
Ë
وماذا فهمت من هذا الكلام؟
Ë
حسب الكلام الذي سمعته من اليوسفي، يظهر أنه كان يريد أن
يناور، سيرا على نهج المثل الانتهازي: "قبل اليد التي لا
تستطيع قطعها" (اليد اللي ما تقدرش تقطعها بوسها). كان
يعتقد أنه يمكن أن يغير النظام من الداخل، ولكن في الحقيقة
هو الذي غيره النظام من الداخل. والمعتصم كان يعتقد حقيقة
أن النظام تغير فعلا وأصبح "ديمقراطيا". كان أكثر تفاؤلا
من اليوسفي. وأنا لو كنت مكان محمد السادس لأطلقت سراح
المعتصم فورا.
عن
جريدة " الحياة " العدد 17 (20 – 26 يونيو 2008)